ابن كثير
389
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللّه » « 1 » . وقوله : فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ يقول تعالى فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك وقتال المؤمنين فكفوا عنهم ، فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم ولا عدوان إلا على الظالمين ، وهذا معنى قول مجاهد أن لا يقاتل إلا من قاتل أو يكون تقديره فإن انتهوا تخلصوا من الظلم وهو الشرك ، فلا عدوان عليهم بعد ذلك ، والمراد بالعدوان هاهنا المعاقبة والمقاتلة كقوله : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [ البقرة : 194 ] وقوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [ النحل : 12 ] ولهذا قال عكرمة وقتادة : الظالم الذي أبى أن يقول لا إله إلا اللّه . وقال البخاري : قوله : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ الآية ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الوهاب حدثنا عبيد اللّه عن نافع ، عن ابن عمر قال : أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا : إن الناس ضيعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فما يمنعك أن تخرج ؟ فقال يمنعني أن اللّه حرم دم أخي ، قالا : ألم يقل اللّه وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ؟ فقال : قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين للّه ، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ، وحتى يكون الدين لغير اللّه ، وزاد عثمان بن صالح عن ابن وهب ، أخبرني فلان وحيوة بن شريح عن بكر بن عمر المغافري ، أن بكير بن عبد اللّه حدثه عن نافع ، أن رجلا أتى ابن عمر فقال : يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عاما وتقيم عاما وتترك الجهاد في سبيل اللّه عز وجل ، وقد علمت ما رغب اللّه فيه ؟ فقال : يا ابن أخي بني الإسلام على خمس : الإيمان باللّه ورسوله والصلوات الخمس وصيام رمضان وأداء الزكاة وحج البيت . قالوا : يا أبا عبد الرحمن ، ألا تسمع ما ذكر اللّه في كتابه ، وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ [ الحجرات : 9 ] وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ قال : فعلنا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكان الإسلام قليلا ، فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه أو عذبوه ، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة ، قال فما قولك في علي وعثمان ؟ قال : أما عثمان فكان اللّه عفا عنه ، وأما أنتم فكرهتم أن يعفو عنه ، وأما علي فابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وختنه ، فأشار بيده ، فقال : هذا بيته حيث ترون . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 194 ] الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 194 ) قال عكرمة : عن ابن عباس والضحاك والسدي وقتادة ومقسم والربيع بن أنس وعطاء
--> ( 1 ) البخاري ( إيمان باب 17 ) ومسلم ( إيمان حديث 22 )